أخبار وطنية فرضيات لقاح سياسي لأزمة كوفيد... بقلم ماهر حنين
بقلم الباحث في علم الاجتماع ماهر حنين
كادت النّزعات العلماوية والوضعية أن تعصف بدور المقاربات الإنسانية حين سعت الى الانتصار لقدرة ''العلوم الصحيحة '' على تفسير كلّ ما استعصي على القدامى والى تحرير عقول البشر.
أزمة الكوفيد وضعت هذه العلوم نفسها أمام الّايقين مما أعاد لابستمولوجيا العلوم الإنسانية ونسبيّتها اعتبارها العلمي، وليبدو الجدل المفتوح داخل الجماعة العلمية للأطباء والبيولوجيين والباحثين في علوم الصيدلية حول طرق التقصي و الوقاية و العلاج أمرا لافتا وعنوان قصور أمام ادّعاء اخضاع الطبيعة لسطوة العلم والتقنية. لإستعمار الطبيعة كُلفة، فهل فهم العلماء كلهم الدّرس؟
ما رافق هذه النّزعة الوضعية الرّاديكالية التي انتقلت عدواها الى الحقل السياسي والاقتصادي هي نزعة دغمائية وأرتوذكسية لعلم الاقتصاد كعلم كمي ترسّخ مع مدرسة شيكاغو الاقتصادية والقائم على رفض كلّ التراث الكينزي وحتى الليبرالي المساواتي الذي دافع عنه عالم الاقتصاد أمارتا صن ومجمل منجزات الاشتراكية الديمقراطية مع دولة الرفاه والحماية الاجتماعية.
منظرّو الطرح النيوليبرالي حرصوا منذ عقود، بعد الثلاثين المجيدة عشية الحرب العالمية الثانية، على تأكيد الانتصار الأبدي لبراديغم السوق الغير مقيّد والاقتصاد المعولم ولم يولوا اهتماما لأي مقاربات نقدية وأي دعوة لتعديل اقتصاد السوق وإعادة الاعتبار لدور الدّولة الاجتماعي والإنمائي.
⌡⌡من الخطأ الاستمرار في الدّعوة لانتظار اللقاح ''البيولوجي'' للعودة الى وضع ما قبل أزمة كوفيد كأنّ الوباء قوس مؤقت أغلق لأن عالم ما قبل الكورونا لم يكن عالما لا عادلا ولا سعيدا لنعود اليه كما هو بل كان عالما مأزوما، وعلى المجتمعات أن تعمل من أجل عالم أفضل⌠⌠
انتظارنا اليوم توصّل جهود مخابر البيولوجيين للقاح يحمينا من وباء محتمل لا يعني من جهة الخيارات السياسية والاجتماعية والاقتصادية مجرّد الانتظار بل يفترض عرض ونقاش ما يمكن تسميته بلقاحات سياسية واقتصادية واجتماعية للوقاية من آثار كوفيد الآنية والاّحقة، لا على أجسامنا العارية بل على جسمنا الإجتماعي. اللّقاح السياسي يقوي مناعة هذا الجسم و يمكنّه من ردّ الفعل الدّفاعي أمام كلّ هجوم يستهدفه.
من الخطأ الاستمرار في الدّعوة لانتظار اللقاح ''البيولوجي'' للعودة الى وضع ما قبل أزمة كوفيد كأنّ الوباء قوس مؤقت أغلق لأن عالم ما قبل الكورونا لم يكن عالما لا عادلا ولا سعيدا لنعود اليه كما هو بل كان عالما مأزوما، وعلى المجتمعات أن تعمل من أجل عالم أفضل، فماهي أمراض المجتمع الحالي التي كشفها الوباء؟ وأي عالم آخر نريد؟ وكيف نعبؤ طاقاتنا من آجل التقدم نحوه ؟
بين الاقتصاديين وعلماء الاجتماع والفلاسفة جدل عميق كسر سقف الزجاج الذي أرادت فرضه الأيديولوجية النيوليبرالية، فالحديث عن دور الدّولة وعن اللاّعولمة، وحماية البيئة والعلاقات شمال -جنوب أو مركز-محيط تحرّر بشكل بارز على امتداد الأشهر الفارطة. نقف هنا عالميا وتونسياّ لنسجّل ثلاث محاور كبرى لهذا الجدل أوّلها يتعلق بالدّولة والثاني بالاقتصاد والثالث بالمجتمع.
⌡⌡في خضم ما نحن فيه وما نحن عليه كتونسيين نتساءل كغيرنا من شعوب العالم عن أفق ما بعد الأزمة ودون أن ننسى اننا اليوم من الدمقراطيات الشابة الأولى في العالم، فبرغم جروحنا الغائرة من مخلفات موروث تسلطي يعود لقرون وتركة استعمارية معيقة وعقود من الحكم الفردي، لا تزال ديمقراطيتنا اليافعة ''ولاّدة'' وثورة الحرية والكرامة لم تقل بعد كلمتها الأخيرة⌠⌠
لقد تبين للجميع أنّ الدّولة التي استضعفت وفقدت سلطتها أمام تقدم نفوذ الشركات العالمية والبنوك لا تزال قادرة كسلطة عمومية أن تفتك السّلطة وأن تمركز تقنيات الحوكمة كاملة بين أيديها وتوقف سرعة الاقتصاد وآلة الإنتاج وتستعيد دورها في حماية حياة مواطنيها أولا. هذه العودة أثارت تباينات في التصوّرات بين من رأى فيها مدخلا لدولة الرّقابة والتّحكم والتّوجيه السّالبة للحريّات اختزالا لمعنى عاري للحياة لا يتعدى حياة الجسم محوّلة البقاء على قيد الحياة الى هدف في حدّ ذاته مقابل كلّ المعنى الذي نريده ونحبّه لحياتنا المتعددة الابعاد، من جهة أخري شكلّت عودة الدّولة لدور الحماية الاجتماعية في مقابل منطق النّجاعة الاقتصادية مدخلا للحديث عن عودتها الاستراتيجية ما بعد الأزمة.
الاقتصاد من جهته والذي تحوّل الي اقتصاد معولم تتشظّى فيه سلاسل الإنتاج علي كلّ مساحة الأرض بحثا عن الكلفة الأقل والثروات الطبيعية الأقرب والى اقتصاد مالي وريعي، يكتشف مجدّدا الدور الحيوي للفلاحة والأمن الغذائي والصناعات المشغلة والغير ملوثة، في كلمة هي دعوة من داخل الفكر الاقتصادي النّقدي الى تجاوز عقيدة التفوق الرأسمالي كخيار تاريخي و كتنظيم اجتماعي.
⌡⌡لقد ارتفعت زمن الجائحة أصوات المجتمع المدني "المديني" و"الريفي" دفاعا عن الحق والدستور وضدّ أوليغارشي الفساد انتصار لضحايا العنف الاقتصادي، تدفقّت الكتابات والتحاليل والنّدوات الافتراضية لتفكيك تداعيّات الأزمة وكلفتها وطرق الخروج منها، محاور مثل الدّين الخارجي، الضريبة على الثروة، السيادة الوطنية وحماية السوق، دمقرطة انتاج الثروة، رفض السياّسات التقشفية.. تناقش بلا مواربة وبجرأة⌠⌠
من جهة أخري ترتجّ الأرض تحت أقدام مجتمع الأفراد ومجتمع المخاطر وقيم المنافسة والنرجسية والفردانية والعدوانية وكراهية الآخر، أزمة كورونا وخاصّة ضغط الحجر كتقنية وقائية أجّج حاجتنا للآخر وللرّابطة الجماعية للعيش معا ولجمالية المشترك.
في خضم ما نحن فيه وما نحن عليه كتونسيين نتساءل كغيرنا من شعوب العالم عن أفق ما بعد الأزمة ودون أن ننسى اننا اليوم من الدمقراطيات الشابة الأولى في العالم، فبرغم جروحنا الغائرة من مخلفات موروث تسلطي يعود لقرون وتركة استعمارية معيقة وعقود من الحكم الفردي، لا تزال ديمقراطيتنا اليافعة ''ولاّدة'' وثورة الحرية والكرامة لم تقل بعد كلمتها الأخيرة.
لقد ارتفعت زمن الجائحة أصوات المجتمع المدني "المديني" و"الريفي" دفاعا عن الحق والدستور وضدّ أوليغارشي الفساد انتصار لضحايا العنف الاقتصادي، تدفقّت الكتابات والتحاليل والنّدوات الافتراضية لتفكيك تداعيّات الأزمة وكلفتها وطرق الخروج منها، محاور مثل الدّين الخارجي، الضريبة على الثروة، السيادة الوطنية وحماية السوق، دمقرطة انتاج الثروة، رفض السياّسات التقشفية.. تناقش بلا مواربة وبجرأة.
ومع ذلك يتربّص المستفيدون السابقون من منظومة الحكم ومن منوال التنمية القديم الجديد ويتنظمون ويمعنون في طمس الحقائق وانكار الواقع ويتهيؤون للالتفاف على زخم اجتماعي وحضاري وإنساني يعتمل في رحم الأزمة من أجل تونس أخرى ممكنة. هم تشكّل جديد لقوة نفوذ محافظة لا تريد لتونس العدالة وتكافؤ الفرص والكرامة ان ترى النور، هم إسلاميون وعلمانيون على حدّ السواء ''ماكروننيّون'' أو ''أردوغاننيون'' ذلك لبوسهم الخارجي، ما يجمعهم -وهي مصالحهم- أكثر مما يفرّقهم، وهي مرجعيّاتهم الفكرية.
⌡⌡من الرّهانات تحويل مركز التناقض الرئيسي الى الحقل الاجتماعي أي الى حقل انتاج الثروة وتوزيعها. هنا مربط فرس المعركة القادمة، ليست مظاهر الشّفقة والاحسان والتّضامن حتى وإن كانت صادقة وبعضها غير صادق هي الحلّ. مقوّمات الكرامة هي العمل والاعتراف والمساواة⌠⌠
تونس التي نريدها نحن لن تكون من تلقاء ذاتها بل حين نلتقط معنى المنعطف ونقاوم ونتنظم ونتقارب لأنّ مثلث رهاناتنا قد تجلى بل نحن نتقدم باتجاهها رغم الغمام أوّلها دولة القانون والتي يشد عليها اليوم شباب الثورة ونساؤها بالنواجذ ولا يخشون في الحق لومة لائم، ليست الدّولة وحدها الحريصة على هيبتها ''البيروقراطية'' والأمنية، المجتمع اليقظ حريص على هيبة الدّولة كدولة قانون.
من جهتها مقولة القطيعة مع خيارات إقتصادية وسياسات عمومية فاشلة وغير عادلة -كسرت فكرة الجمهورية وأفرغتها من مضمونها وعطّلت المصعد الاجتماعي- تشق طريقها. الرّهان الثالث هو تحويل مركز التناقض الرئيسي الى الحقل الاجتماعي أي الى حقل انتاج الثروة وتوزيعها. هنا مربط فرس المعركة القادمة، ليست مظاهر الشّفقة والاحسان والتّضامن حتى وإن كانت صادقة وبعضها غير صادق هي الحلّ. مقوّمات الكرامة هي العمل والاعتراف والمساواة.
آليات ادماج اقتصادي للفئات الهشة وصغار المنتجين وضمان أشكال التمويل البديلة لفائدتها، مجالات تطوير الاقتصاد الاجتماعي و التضامني، الطّاقات البديلة، التقارب المغاربي، كلها ورشات عمل لا يجب ان تتوقف، بالتزامن معها نحن في حاجة لقوة ضغط ميداني واعلامي وسياسي.
سيصاب مشروعنا في مقتل ان نحن وسمنا أنفسنا و ووسمنا غيرنا باعتبارنا شتات، حركة احتجاج، ونخب حالمة لا تغادر الفضاء الافتراضي وباحثين وخبراء. النّيوليبراليّة وباء سياسي ومساعي ديمومتها سياسية والتصدي لها هو مشروع سياسي جماعي بديل.